ابن عجيبة
530
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من وصف الرب ، فمن تحقق بوصفه أمده اللّه بوصفه ، « تحقق بوصفك يمدك بوصفه ، تحقق بفقرك يمدك بغناه ، تحقق بذلك يمدك بعزه » « 1 » . وقال القشيري - بعد كلام - : والفقراء على أقسام ؛ فقير إلى اللّه ، وفقير إلى شئ هو من اللّه ؛ معلوم وموسوم . ومن افتقر إلى شئ استغنى بوجود ذلك الشيء ، فالفقير إلى اللّه هو الغنى باللّه ، فالافتقار إلى اللّه لا يخلو من الاستغناء باللّه . فالفقير إليه مستغن به ، والمستغنى به فقير إليه . ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع ، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبّر . وشرف العبد وعزه في فقره ، وذلّه وصغاره في توهمه الغنى ، وأنشدوا . وإذا تذلّلت الرقاب [ تقرّبا ] « 2 » * منّا إليك فعزّها في ذلّها ومن شرط الفقير : ألا يملك شيئا ، ولا يملكه شئ . ومن آداب الفقير الصادق : إظهار التكثر عند وجود التقتر ، والشكر على البلوى ، والبعد عن الشكوى . ويقال : الفقر المحمود : العيش مع اللّه براحة الفراغ على سرمد الوقت ، من غير استكراه شئ منه بكلّ وجه . ه . ملخصا . قال الورتجبي : فطرة الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل ، بنعت الافتقار إليه ، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس ؛ لأنها وقعت بنعت العشق ، والعاشق مفتقر إلى معشوقه ، انفعالا ، فمن عرفه بالأزلية والأبدية يفتقر إليه افتقارا قطعيا ؛ لأن بقاءه لا يكون إلا به . وإذا كان كذلك صار غنيا باللّه ، متصفا بغناه ، غنيا به عن غيره ، مفتقرا إليه . فإذا كان في محل الصحو يكون مفتقرا إليه ، وإذا كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه ، فصار محجوبا عنه ، ولا يدرى . ه . وقال سهل رضي اللّه عنه : لمّا خلق اللّه الخلق حكم لنفسه بالغنى ، ولهم بالفقر ، فمن ادّعى الغنى ، حجب عن اللّه ، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه . فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسرّ إليه ، ومنقطعا عن الغير إليه ، حتى يكون عبوديّته للّه محضة ، فالعبودية هي الذل والخضوع . ه . وقال الواسطي : من استغنى باللّه لا يفتقر ، ومن يتعزز باللّه لا يذل . وقال يحيى بن معاذ : الفقر خير للعبد من الغنى ؛ لأن الذلة في الفقر ، والكبر في الغنى ، والرجوع إلى اللّه بالتواضع والذلّة خير من الرجوع إليه بكثرة الأعمال . وقيل : صفة الأولياء ثلاثة : الثقة باللّه في كل شئ ، والفقر إليه في كل شئ ، والرجوع إليه من كل شئ .
--> ( 1 ) في الأصول [ بقربها ] . ( 2 ) انظر الحكم ( ص 31 ، حكمة / 178 ) .